يوسف المرعشلي
842
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وهذا يدلنا على كرهه حب الظهور في المحافل العامة ، فحجز نفسه عن الاختلاط بأصحاب الوظائف ، ورجال الدولة إلا لزيارات معدودة قام بها لمصلحة عامة ، أو لدفع باطل واجتلاب حق . فليس بعجيب بعد هذا أن يتمتع بثقة الناس كبيرهم وصغيرهم ، وأن يغدو محطّ أنظارهم في كل مكان ، وموضع إعجابهم ، وأن يكون أسوة صالحة لهم ومثلا يقتدى . وآثر القرآن الكريم والعلم ، ووقف نفسه لخدمتهما ، لم ينقطع عن أعمال الخير والبر ، وكان يتوسط في حلّ مشكلات عائلية واجتماعية وتجارية ، وغيرها . بسط يده بالخير للفقراء ، وتعرض لحل مشكلاتهم وعطف عليهم ، ولم يردّ سائلا ، ولا قطع بره عن محروم ، يوزّع على المعوزين كل ما تصل إليه يده ، ساهم لهذه الغاية في إنشاء ( جمعية العقيبة الخيرية ) . يتفقد أصحاب الحاجة ، وخاصة من طلابه الذين يقرؤون عليه ويلوذون به فيشملهم برعايته . كسي ثوبا من المهابة والوقار جمع إليهما نفسا مرحة وروحا زكيّة تتسع لأحوال العامة والخاصة ، مع أنس وأدب ، ومع تواضع من غير مذلة وعزة من غير كبرياء ، إذا سار مشى الهوينا ، غاضّا بصره لا يلتفت يمنة ولا يسرة ، فإذا اعترضه سائل وقف ومنحه اهتمامه وعقله ولطفه وظرفه . ولتواضعه عدّ نفسه من عامة الناس لا من خاصتهم ، وأكثر ما يتجلّى هذا التواضع مع العلماء يتأدب معهم ، ولو أخطؤوا . وكان إذا عرض لآراء بعضهم الضعيفة لا يقول : « ردنا عليه كذا » . بل يقول : « جوابنا عليه كذا » . هادىء رزين شأن العلماء الذين ملأهم اللّه علما ورزقهم فهما ، ولم يكن يغضب إلا لانتهاك حرمة من حرمات اللّه تعالى . يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . يحب النبي صلى اللّه عليه وسلم محبة عميقة ويزوره . ويحرص أن يحج كل عام ويزور ، بقي على ذلك إلى ما قبل وفاته بثلاث سنوات حينما منعته العلة ، فكان يكتب إلى شيخ المدينة المنورة إبراهيم الختني لينوب عنه في قضاء هذه الشعيرة المباركة . يحترم الأولياء والعارفين باللّه كما كان يفعل السلف الصالح من علماء الأمة وفضلائها ، فيزور قبورهم وخاصة مقام الشيخ محيي الدين بن عربي في صالحية دمشق ، والشيخ أرسلان الدمشقي شرقي باب توما ، وسيدي حياة الحراني شرقي غوطة دمشق ، فضلا عن زيارة قبور والديه ومشايخه كالشيخ عطا الكسم ، والشيخ بدر الدين الحسني ، والعلماء الذين عاصرهم أو عرفهم بصلاحهم كالشيخ عبد الحكيم الأفغاني ، والشيخ محمد أمين عابدين ، والشيخ سعيد الحلبي ، والشيخ علي الدقر ، والشيخ سليم المسوتي ، والشيخ علاء الدين الحصكفي ، وغيرهم . يلزم نفسه فضلا عن تلاوة القرآن الكريم بتلاوة الأوراد ، ويشترك بمجالس الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم التي تعمر بها مساجد دمشق بعد صلاة الفجر من كل يوم اثنين تنتقل من مسجد إلى آخر . حرص على الوقت كل الحرص ، وعرف كيف يستفيد من وقته ، فرسم لنفسه نظاما صارما للعمل الدائب النافع ؛ أمضى الليل بالقيام ، والنهار بالدراسة والتدريس والسعي في أمور المسلمين ، حتى الطرقات فإنه كان يقطعها بتلاوة القرآن الكريم . وبان أثر العمل الدؤوب عليه ، فنحل جسمه ، وغلب عليه الضعف العام حتى وصل وزنه إلى ما يقرب من ثلاثين كغ ، لكنه بقي متمتعا بحواسّه كلها مع الذكاء والفطنة . لم يتقن من أمور الدنيا سوى العلم ، فلم يعمل في تجارة كوالده ولا في غيرها ، حتى شؤون البيت فلم يكن يقضي منها غير الضروري ، وكان همه خدمة القرآن الكريم والعلم والعبادة . وقبل من الوظائف المتواضعة ما يدفع عنه الحاجة ، فشغل إمامة مسجد السلطان الزنكي في شارع بغداد عند مدخل حي السّمانة ، ومسجد فضل اللّه البصروي قرب ساحة المرجة تجاه وزارة الداخلية الآن . وتولّى الخطابة والإمامة في مسجد سيدي شركس بسوق القطن ، وكانت خطبه قصيرة ولكنها مفيدة جدا تعتمد على الفقه مادة ، وليس هذا إلا لاهتماماته الفقهية . وصلّى إماما في مسجد تحت المئذنة ، وكان إمام جزء « 1 » في صلاة التراويح بجامع التوبة .
--> ( 1 ) هذه التسمية إشارة إلى أن الإمام يقرأ جزءا كاملا كل ليلة في صلاة التراويح فيختم بذلك القرآن الكريم خلال شهر رمضان .